علي الهجويري
122
كشف المحجوب
قلبه من أي تفكير في سلطة أو عظمة . فرأى في منامه ليلة أنه كان يجمع عظام النبي من مقبرته ، ويختار بعضها ، وينبذ الآخر فاستيقظ فزعا ، وسأل أحد تلاميذه - محمد بن سيرين - أن يفسر الحلم فقال له : ستصل إلى مرتبة عالية في المعرفة عن رسول اللّه ، وفي المحافظة على سنته ، حتى أنك ستبين الغث من الثمين . ورأى أبو حنيفة في منامه مرة أخرى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له : « لقد خلقت لا حياء سنتي فلا تقتصد » وكان معلما لعدد من الأئمة مثل : إبراهيم ابن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وداود الطائي ، وبشر الحافي وغيرهم ، رضوان اللّه عليهم أجمعين . وفي عصر الخليفة المنصور كان الاتجاه أن يعين في منصب القاضي أحد هؤلاء الأشخاص الأربعة : أبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، ومسعر بن كدام وشريح ، وهؤلاء الأربعة كانوا من فحول العلماء ، فأرسل إليهم رسولا لاستدعائهم ، وكانوا في طريقهم معا لمقابلة المنصور ، قال أبو حنيفة : ليحدس كل منا شيئا حول ذهابنا ، فقالوا : هذا صواب . قال أبو حنيفة : سأرفض هذا المنصب بحيلة أقوم بها ، وسيتظاهر مسعر بالجنون ، وسيهرب سفيان ، أما شريح فسوف يصبح قاضيا . وحدث بعد ذلك أن هرب سفيان وركب سفينة وقال لقائدها : « اخفنى وأنقذنى إذ سيقطعون رأسي » وذلك تأويلات للحديث « من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين » « 1 » فخبأه الملاح . أما الآخرون أدخلوا على الخليفة ، فقال المنصور لأبى حنيفة : « عليك أن تكون القاضي » فأجاب أبو حنيفة : « يا أمير المؤمنين أنا لست عربيا ، بل أحد الموالى ، ولن يرضى رؤساء العرب بحكمي » فقال المنصور : « ليس لهذا الأمر علاقة بالنسب إنه في حاجة إلى العلم ، وأنت أكبر العلماء في هذا العصر ، ولكن أبا حنيفة أصر على أنه غير أهل لهذا
--> ( 1 ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة .